محمد كرد علي

48

خطط الشام

والعربية ثانيا ، وذلك لأن اليونان والرومان كانوا فيها مستعمرين ولم يكونوا من أهلها كما كان السريان . ومن أجل هذا لم يؤثر حكم الروم والرومان هنا على طول عهدهما في قلب لغة السكان ، بل تعلمها بعض أفراد كما يتعلم بعضنا التركية والفرنسية والانكليرية وغيرها من اللغات التي حكم أهلها الشام أو كانت لنا بأربابها علاقة تجارية أو سياسية أو علمية ، بل كما كان بعضهم يتعلم في القرن الماضي اللغة الطليانية لقلة مدارسنا ومدارس الأمم الأخرى يومئذ . الشاميون أمة واحدة لسانهم العربية فقط : قلنا من محاضرة في سكان الشام ولغاته : مهما قيل في كثرة عدد المتكلمين بالفرنسية في بيروت وبالعبرية في القدس وبالتركية في حلب ، ومهما اختلفت درجة العواطف من حيث حب العربية ، فالبلاد عربية صرفة والسكان عرب مهما ضعفوا وضعفت مشخصاتهم . ولا ينسبون إلى غير أمهم ولا يدعون إلا لآبائهم . يقولون : إن من تعلم لغة قوم أحبهم فما أحرى أن يحب المرء أولا أرضا أنبتته ، وأهلا تجمعه وإياهم جامعة الوطن والجنس واللسان . نحن في الشام أمة واحدة مهما حاول المحاولون أن يجعلوا بيننا فروقا . والمذاهب ما كانت ولن تكون معيارا في هذا الباب . الماروني والكاثوليكي والأرثوذكسي والإنجيلي والعلوي والإسماعيلي والعبري وغيرهم تربطنا بهم رابطة أجمع من كل الروابط ، رابطة المصلحة الواحدة والوطن المشترك ، وقرابة الجنس وأواصر اللغة . إن كنت أحب بيتي فما أولاني أن أحب سكانه . إن كنت لا أرى عدتي في شدتي ، غير أمتي ، فما أحراني أن أرعى ذمامها ، وأحمي مشخصاتها ، وأول المشخصات في شعب هو لغته . ومعظم الأمم الحديثة تكونت تحت رايتها ، وسادت وشادت بتأثيرها . من اللغات يا قوم ما لا ينطق به أكثر من بضعة ملايين كالدانيمركية والسويدية والفنلندية ، مع هذا تجد بين أبنائها - من الصلات على اختلاف في المذهب - ومن التناغي بحب قوميتهم ما لا يقلّ عن تغالي الانكليزي والألماني والفرنسي والطلياني